فى ظل المخاطر المتعلقة بالسياسة النقدية (1من 2)

د. محمد جميل الشبشيري
كانت السيولة ومازال تمثل الهاجس الأكبر أمام البنوك الإسلامية والتي تنعكس على كل تصرفاتهاوالتزاماتها ، حيث تعتبر تحديات إدارة السيولة من أهم الصعوبات التي تواجه هذه الصناعة نظرا للافتقار إلى وجود أصول مالية عالية الجودة والسيولة متوافقة مع الشريعة الإسلامية High-quality short-term liquid assets.
ولمواجهة هذا التحدي اتجهت السلطات النقدية في عدد من الدول التي انتشرت بها صناعة الصيرفة الإسلامية إلى تطوير أدوات إدارة السياسة النقدية لتتلاءم مع الشريعة الإسلامية. فعلى حين تحتفظ بعض البنوك بكميات ضخمة من السيولة بما يعني وجود فائض في السيولة لديها يتعطل بسبب محدودية فرص الاستثمار من خلال أدوات السوق النقدي والمالي التى تتفق وأحكام الشريعة الاسلامية،
ومازالت هذه العقبة تعد من أهم ما تعانيه المؤسسات المالبة الإسلامية بشكل عام. حيث تؤدي تلك الأدوات وما يتبعها من ضعف فرص الاستثمار إلى زيادة تكلفة أموال تلك المؤسسات؛ الأمر الذي ينعكس على معدلات ربحيتها وقدرتها التنافسية.
على الجانب الآخر تعاني بنوك إسلامية أخري من شح السيولة نتيجة لضغوط الاقتصاد الكلي والتطورات الاقتصادية العالمية ومعدلات التضخم المرتفعة والتوقعات الاقتصادية تخضع لعدم اليقين او تطورات سلبيّة قد تؤدى إلى سحب مزيد من الودائع من البنوك وسعياً نحو الحفاظ على متطلبات السيولة ترتكز معظم أعمال البنوك الإسلامية في أنشطة المرابحة التمويلية أو الوكالة للمعاملات البينية لدى البنوك أوالمضاربة للأوعية الإدخارية؛ والتي تعتبر استثمارات ذت آجال محددة للأموال المستثمرة للمودعين.
في حين أن البنوك الإسلامية ينظر لها كبنوك إستثمارية في المقام الأول، فهي تواجه مشكلة بسبب طبيعة الودائع التي تستثمرها لصالح المودعين كونها ذات آجال متعددة ويجب سدادها وفقا للعرف البنكي السائد، ونحو تخفيف مخاطر السيولة الناشئة في حال عدم الوفاء بالتزاماتها عند حلول موعدها نتيجة لانخفاض بدائل المزيج التمويلي المتاح سواء من صكوك المصدرة وتجاوبه مع المتطلبات الآنية والمتلاحقة لتغير الأسعار أو عند قيام المودعين بسحب أموالهم بطريقة منتظمة أو تفاديا للمخاطر الناتجة عن قيام أصحاب الودائع بسحب أموالهم للحصول على عوائد أكثر جذباً نظراً لقيام البنك بتوزيع عوائد على الودائع أقل من الفرص البديلة بالأسواق غير نظامية.
وتتعرض البنوك الإسلامية لتحديات فيما يتعلق بالسيولة تختلف عن تلك التي تواجه البنوك العادية، وهذا بسبب الطبيعة الخاصة للتمويل الإسلامي والتزاماتها الشرعية. وفيما يلي سنتناول بعض التحديات التي تواجه البنوك الإسلامية في إدارة السيولة.
1- التحدي التنظيمي: تختلف البنوك الإسلامية عن البنوك التقليدية في العديد من الجوانب، بما في ذلك التشريعات واللوائح التي يجب الالتزام بها. وتواجه البنوك الإسلامية تحديات في التعامل مع هذه اللوائح، والتأكد من الامتثال لها فيما يتعلق بإدارة السيولة. وتشمل هذه التحديات تحديد متطلبات السيولة وضوابطها، والتأكد من الامتثال للمتطلبات الشريعة الخاصة بالتمويل الإسلامي.
2- التحديات التقنية: تعتمد البنوك الإسلامية على التكنولوجيا في إدارةالسيولة، وتواجه هذه البنوك تحديات في تطوير النظم التقنية اللازمة للتأكد من توفير السيولة بشكل مستمر وفعال. ويجب على البنوك الإسلامية العمل على تحسين تقنياتها وتوسيع قدرتها في مجال إدارة السيولة، وذلك من خلال تطويرأنظمة الدفع الإلكترونية والإجراءات المصرفية الرقمية وغيرها من التقنيات.
3- التحديات المالية: تواجه البنوك الإسلامية تحديات مالية في إدارة السيولة،حيث يتطلب التمويل الإسلامي التزاما شرعيا يفرض على البنوك الإسلامية الالتزام بالأخلاقيات والقيم الإسلامية في عملياتها المصرفية
وفقا لتقرير الاستقرار المالي للبنوك الإسلامية الصادر عن مجلس الخدمات المالية الاسلامية (IFSB) أكدت فيه بأن مخاطر السيولة لدى البنوك و المؤسسات المالية الإسلامية تعد أولوية رئيسية لها في السنوات القادمة لاسيما بعد تحدى كوفيد 19 وتعرض العديد من القطاعات الاقتصادية الممولة منها للانكشاف وما صاحبها من وتوقف العديد من الأنشطة لاسيما القطاعات التى تتطلب تعامل مباشر مع الجمهور مثل انشطة التجارة والتجزئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومما زاد الأمر سوءا هو الآثار السلبية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية وتوقف حركة الأمداد للمواد الغذائية والعديد من المنتجات الأساسية لدورات الأنتاج مما أدى لمزيد من مخاطر السوق متمثلا في ارتفاع مؤشرالسلع الرئيسية ومن ثم معدلات التضخم في دول العالم. ومن المعروف ان مخاطر ارتفاع الأسعار وتراجع النمو الإقتصادى يؤدى الى ضعف قدرة المدينون على السداد وارتفاع نسب الديون المتعثرة بشكل عام.
ومن المعلوم بأن ارتفاع مستويات المخاطر لدى البنوك يؤدي بدوره إلى خفض مستويات التمويل و تكرار شطب المديونيات الرديئة بعد فترات وجيزة نظرا لعمليات التقييم الائتمانية المستمرة والتي تكون مصاحبة لفترات الركود، ممايرجع بالتوالي إلى انخفاض مستويات صافي التدفقات النقدية والسيولة في دورة الأعمال وماله من أثرعلى تدني مستويات الاستهلاك والاستثمار فضلا عن مردود ذلك على تراجع مستويات الدخل بما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد من مخاطرحجم القروض المتعثرة، وبالتالي تأثر أكبر للاستقرار المالى في البنوك.
يضاف الي ذلك ما تلعبه تلعب السياسة النقدية من دور محدود في الأزمات والتغلب على حالات الركود مقارنة بالسياسة المالية ذات الأثر الأكبر في تنشيط الطلب الكلي وتحفيز الناتج المحلي. وقد كان النشاط التشغيلي في حالة الركود نابع من السياسة النقدية والتي كانت أكثر فعالية في التعامل مع جائحة كورونا وكان لها آثار علي جانبى الطلب الكلي والعرض الكلي في وقت قد تراجع فيه ثقة المستثمرين الى أدني مستوى له .كما أن زيادة المخاوف وعدم اليقين قد حد من مدى قدرة مؤسسات الأعمال على التعافي من هذه الأزمة الصحية والاقتصادية معا، حيث لعبت تدخلات السياسة النقدية دورا معززا للثقة في الاقتصاد من خلال دعم الائتمان وتوفير السيولة ومساعدة الشركات المتأثرة بالأزمة من خلال دعم لرأس المال العامل لاسيما للشركات المتوسطة والصغيرة وذلك أثناء فترات الأغلاق الكلي والجزئى.
وتواجه البنوك الإسلامية تحديات كبيرة في إدارة السيولة، خاصة في ظل السياسة النقدية الحالية والتي تتضمن ارتفاع معدلات الفائدة لمواجهة التضخم المرتفع ، وهذا من شأنه ان يدفع البنوك الاسلامية الي الاحتفاظ بالسيولة حيث تحتاج البنوك الإسلامية إلى الاحتفاظ بمستويات كافية من السيولة لتلبية الاحتياجات المصرفية لعملائها، ولتوفير تمويل لعملياتها التشغيلية. وتشكل السياسة النقدية الحالية تحدياً كبيراً للبنوك الإسلامية في هذا الصدد، حيث إنها تسبب تحديات في الحفاظ على المستويات التنافسية للوادائع وتوفيرتمويل جيد للمشاريع والعملاء.والعمل على تأمين التمويل لعملياتها، خاصة في ظل السياسة النقدية الحالية التي تؤثر على معدلات الفائدة. وتجد البنوكالإسلامية نفسها أمام صعوبة في توفير التمويل المناسب للعملاء، مما يؤثرعلى النمو والتوسع في أعمالها.وتحتاج هذه البنوك إلى تنفيذ استراتيجيات متطورة لإدارة السيولة بشكل فعال وتوفير السيولة المناسبة في الوقت المناسب. ويجب أن تستثمر البنوك الإسلامية في أنظمة إدارة السيولة المتطورة والتكنولوجيا لتوفير السيولة اللازمة ولتحسين جودة خدماتها . والي المقال القادم ان شاء الله حول مؤشرات السيولة في البنوك الإسلامية.
أضف تعليق