د محمد جميل الشبشيري علي الرغم من انتهاج العديد من الدول سياسات نقدية تيسيرية ظهرت بشكل حاد عند اغراق الاسواق بالنقود خلال ازمة كورونا ، حيث تساقطت الاموال علي الافراد والمؤسسات والاسواق اثناء فترات الاغلاق ، فقدمت السيولة وتم تاخير سداد القروض للافراد والمؤسسات الي ما بعد الازمة ومنحت الحكومات اموالا للناس بلا مقابل وزادت عمليات الاقراض الدولي مما خلف جبل من الديون ، وارتفاعا كبيرا في مؤشرات التضخم ، ونبحث في هذه المقالة عن تطور دور البنوك المركزية من العقد الماضي وحتي الان ومدي تأرجح السياسات النقدية بين سياسات تيسيرية او انكماشية وحاجه العالم الي ادوات اخري اكثر كفاءة وفعالية لتقديم حلول للمشكلات الحالية من تضخم وركود .

وقد ادت سياسات البنوك المركزية الكبرى في الاقتصادات المتقدمة الي عواقب سلبية وبالتالي تحتاج إلى إصلاح ، حيث يشكك العديد من الاقتصاديين وخبراء صندوق النقد الدولي في موثوقية أداة سعر الفائدة كأداة من أدوات السياسة النقدية والتى أصبحت أداة غير فعالة وغير كافية للتحكم في كمية النقود والطلب عليها والية إصدارها من قبل البنوك المركزية والتي أفرط عدد منها في طبع كميات كبيرة دون غطاء مما انعكس في شكل معدلات تضخمية جامحة.

فخ السيولة

وخلال العقد الماضي يبدو ان البنوك المركزية قد وقعت في فخ السيولة عند مستوى فائدة في حدود الصفر مما يقيد من قدرتها على إجراء مزيد من التخفيض في سعر الفائدة، إلا أن البنوك المركزية في معظم الدول المتقدمة عمدت على استحداث سياسة مبتكرة تمثلت في تطبيق سياسة تعتمد على ضخ مبالغ هائلة من السيولة في الاقتصاد العالمي، هي الأعلى على الإطلاق.

وأمام الفوائد السلبية بشقيها الأسمي والحقيقي بعد أخد معدلات التضخم في الاعتبار بات العالم غير قادر علي القيام بتشجيع الادخار، وتعزيز الوساطة المالية ومحاولات الفكاك من براثن الركود والعودة للنمو الذي غالبا لم يتحقق وتحولت الأموال الي البورصات المضاربات لتحقيق المكاسب بدلا من ان تتجه الى الانتاج والتنمية الحقيقية، فضلا أن أسعار الأصول المالية المالية نجم عنه زيادة مخاطر حدوث هبوط اقتصادى حاد في المستقبل عندما يتم سحب السيولة من الاسواق، كما أن اسعار الفائدة المنخقضة كان ذو أثر محدود على الاقتصاد الحقيقي مع ضعف الاستثمار.

فعالية اكبر اثناء الجائحة

ووفقًا للنظريات الاقتصادية الكينزية والنقدية، والتوقعات الرشيدة، تلعب السياسة النقدية دورًا محدودًا في التغلب على الأزمات وتحفيز الاقتصاد مقارنةً بالسياسة المالية التي تمتلك أثرًا أكبر في تنشيط الطلب الكلي وزيادة الناتج المحلي. على الرغم من ذلك، فقد كان النشاط الاقتصادي في فترات الركود مرتبطًا بالسياسة النقدية والتي كانت فعّالة بشكل أكبر في التعامل مع جائحة كورونا وأثرت على جوانب الطلب الكلي والعرض الكلي في زمن تراجعت فيه ثقة المستثمرين إلى أدنى مستوياتها. وقد زادت المخاوف وعدم اليقين من صعوبة استعادة المؤسسات الاقتصادية من هذه الأزمة الصحية والاقتصادية معًا.

لعبت تدخلات السياسة النقدية دورًا معززًا للثقة في الاقتصاد من خلال دعم الائتمان وتوفير السيولة ومساعدة الشركات المتأثرة بالأزمة، وخصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة، خلال فترات الإغلاق الكلي والجزئي. وقد استخدمت البنوك المركزية أدواتها النقدية التقليدية، مثل عمليات السوق المفتوحة وسياسة الخصم ورفع الاحتياطيات، بالإضافة إلى تعزيز سياسة المخاطر لدى الجهاز المصرفي والرقابة على أعمال البنوك.

ويمكن أن تتعاون السياسة النقدية مع السياسة المالية وتوسيع عرض النقود لتحقيق نتائج إيجابية. لقد ردت البنوك المركزية حول العالم على التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 من خلال تيسير سياستها النقدية بما في ذلك تخفيض أسعار الفائدة وشراء الأصول. وقد ساعدت هذه السياسات في الحد من تداعيات الجائحة.

ارتفاع اسعار المساكن

من الناحية الإيجابية، ساعدت السياسة النقدية في تحسين أوضاع الائتمان وتوفير السيولة وخفض معدلات الفائدة إلى مستويات منخفضة في التاريخ وزيادة معدلات النمو. ولولا هذه الإجراءات، كان من الممكن أن تتكرر سيناريوهات الكساد الكبير التي حدثت في الثلاثينيات من القرن الماضي. ومع ذلك، هناك جدل حول ما إذا كانت هذه السياسات أسهمت في ارتفاع معدلات السيولة والتضخم وأسعار المساكن، مما أثار مخاوف حول استمرار ارتفاع معدل التضخم وإمكانية حدوث أزمات مستقبلية.

إضافياً، السياسة النقدية تلعب دورًا في دعم أسواق الأسهم بعد الانخفاضات الكبيرة التي شهدتها بسبب الجائحة، وهو تطور إيجابي. وانخفاض أسعار الفائدة ساهم في تشجيع الشركات الصغيرة على الاقتراض مجددًا وقلل تأثير الركود على معدلات البطالة، وساعد في تنشيط الأداء الاقتصادي عمومًا. وبشكل عام، توزع التيسير النقدي الموارد من المدخرين إلى المقترضين، مع تأثيرات إيجابية وسلبية على الأفراد والشركات.

من ناحية أخرى، انخفضت تكاليف خدمة الدين العام بفعل انخفاض أسعار الفائدة، مما زاد من فرص الحصول على تمويل لمواجهة تحديات الازمة.

ومع الانتقال إلى أزمة أخرى مستجدة، فإن ما يشهده أفاق الاقتصاد العالمي من تراجع بشكل كبير في النمو لاسيما في الاقتصاديات النامية نتيجة للحرب الاوكرانية وتزايد معدلات التضخم في الدول المتقدمة،فقد اتجهت معظم البنوك المركزية سحب تدريجي لاجراءات الدعم المالي وتوجه بعض البنوك المركزية نحو سياسة نقدية انكماشية متشددة بعد ان غلبت السياسة النقدية التوسعية في الاقتصاديات المتقدمة خلال النصف الثاني من عام 2021 بهدف تقديم الدعم اللازم والوصول لمستويات قياسية للسيولة ودعم الائتمان الموجه للقطاع الخاص بناء علي ذلك تم الابقاء علي مستويات تاريخية منخفضة لاسعار الفائدة فيما سجلت مستويات صفرية أو سالبة في بعض الدول.

اقبال علي تخفيض سعر الفائدة

وتشير التقديرات إلي أن البنوك المركزية مجتمعة خفضت الفائدة 207 مرات خلال عام 2020 مع تولي الولايات المتحدة الأمريكية الصدارة في مارس 2020 حيث خفض الاحتياطي الفيدرالي معدل سياسته مرتين في مارس 2020 بمعدل تراكمي 150 نقطة اساس وبالتالي حدد النطاق المستهدف الجديد لسعر الفائدة علي الاموال الفيدرالية عند صفر – 0.25 %، كما اطلق برنامجا ضخمًا للتيسير الكمي بقيمة 700 مليار دولار لتوفير دعما اضافيا للاقتصاد المتعثر، كما خفض متطلبات الاحتياطي لألاف البنوك الي الصفر وفي خطوة عالمية منسقة اتخذ بنك كندا وبنك انجلترا وبنك اليابان والبنك المركزي الأوربي والاحتياطي الفيدرالي الامريكي، والبنك السويسري إجراءات لتعزيز السيولة بالدولار .
بالتأكيد، كل التخفيضات للفائدة، وكل كميات الحقن المالي التريليونية قُصد بها استعادة الاقتصادات لنموها الذي كانت تحققه قبل أزمة كوفيد وعلى رغم التحسن الطفيف هنا وهناك لبعض المؤشرات، مثل النمو، ومعدل التوظيف، إلا أن الاقتصاد العالمى مازال في دائرة الركود الاقتصادي في معظم دول العالم، ويعاني أكثر من ارتفاع مستويات الديون والأسعار والتضخم الجامح فضلا على ارتفاع أسعار العقارات والأصول الحقيقة والذهب.


اثر ضعيف علي الأنظمة المصرفية

كان لانتقال السياسة النقدية أثرًا ضعيفًا في الدول ذات الأنظمة المصرفية الضعيفة. كما أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار العقارات، مما قد يؤدي إلى حدوث فقاعات عقارية مجددًا، وبالتالي تعريض القطاع المالي للقطاع العقاري مرة أخرى. وأيضًا، الفوائد المنخفضة أو السلبية أدت إلى تدفق رؤوس أموال كبيرة إلى الأسواق الناشئة، ولا شك أن عكس السياسات والعودة المتوقعة لرفع أسعار الفائدة ستؤدي إلى عودة هذه الأموال إلى السندات الأمريكية الأكثر أمانًا، مما سيؤثر سلبًا على الأسواق الناشئة. وهنا يطرح سؤال حول جدية البنوك المركزية والنظم المالية العالمية في البحث عن أدوات أكثر اتساقاً مع الأزمات المالية المتكررة، بعيدًا عن سعر الفائدة الذي أصبح غير فعال تقريباً.

بدأ البنك الفيدرالي الأمريكي بالتوجه نحو رفع أسعار الفائدة، وهذا يثير آثارًا متداولة سواء على البورصات العالمية أو توقعات ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل باقي العملات العالمية. الأسواق الناشئة والأسواق الأوروبية والصين وغيرها من البلدان تواجه ضغوطًا حادة على العملات المحلية.

وفي هذا السياق، يصبح تشديد السياسة النقدية من المصلحة العامة للحفاظ على سعر العملة في ظل الضغوط الشديدة. إنها أداة تستخدمها سلطات السياسة النقدية لرفع أسعار الفائدة، مما يزيد من العائد على الاستثمار في الأصول المقومة بالعملة ويجعل عمليات المضاربة أكثر تكلفة بسبب زيادة تكلفة بيع العملة.”

“السياسة النقدية المتشددة تميل أيضًا إلى دعم سعر الصرف من خلال تقليل توقعات التضخم وبالتالي تقليل تقلبات سعر العملة في المستقبل. ويمكن أن تقلل من الطلب المحلي وتحسين الحساب الجاري. بالإضافة إلى ذلك، تساعد في الحد من المخاطر المتعلقة بالديون للمقترضين المحليين الذين اقترضوا بالعملة الأجنبية.”

ومع توجه السياسة النقدية نحو الانكماش للقضاء على الفجوة التضخمية، يمكن أن يرتفع معدل الفائدة، مما يؤدي إلى إحباط الإنفاق الاستثماري وبالتالي تقليل الدخل بشكل أكبر. هذا سيؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي بالتأكيد. بالإضافة إلى أن رفع الفائدة سيكون في مصلحة المدخرين على حساب المقترضين، وقد يؤثر على الأسعار العقارية ويقلل من سخونة الأسواق.

على الساحة المالية، تستمر حالة عدم اليقين وارتفاع معدلات التضخم وتقلبات العملات في التأثير على أداء الأسواق.

ومازلت البنوك المركزية حائرة بين تخفيض سعر الفائدة سعيا نحو تنشيط الاقتصاد او رفع سعر الفائدة املا في تخفيض التضخم والذي تناولناه بشكل أكثر تفصيلا في مقال سابق الا ان الحقيقة تشير الى ان رفع سعر الفائدة يترتب عليه آثار سلبية متعددة. أولاً، يزيد تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات مما يقلل من الإنفاق والاستثمار. ثانياً، يؤثر على تكلفة القروض العقارية وقدرة الأفراد على شراء المنازل. ثالثاً، يقلل من جاذبية الاستثمار في الأسهم مقارنة بالسندات، مما يؤثر على أسواق الأسهم. رابعاً، يمكن أن يزيد جاذبية عملة البلاد مما يؤثر على التجارة الدولية. خامساً، يعني الزيادة في تكلفة خدمة الديون للشركات والدول المدينة. هذه الآثار تجعل رفع الفائدة قرارًا مؤثرا يجب مراعاته بعناية.

https://thoughtleadership.rbc.com/forward-guidance-our-weekly-preview/

https://www.desjardins.com/content/dam/pdf/en/personal/savings-investment/economic-studies/eurozone-ecb-september-2014.pdf

https://www.desjardins.com/content/dam/pdf/en/personal/savings-investment/economic-studies/economic-financial-outlook-september-2023.pdf

أضف تعليق

الأكثر رواجًا

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ