
د محمد جميل الشبشيري
يؤدي الارتفاع في أسعار النفط إلى تحول في القوة الشرائية من مستهلكي النفط إلى منتجيه
يعزز مصدرو النفط من معدلات التبادل التجاري بما يؤدي إلى نقد وفوائض مالية أكبر
ارتفاع أسعار الطاقة سوف يشكل مخاطر علي العديد من الأسواق الناشئة والبلدان النامية التي تظل معتمدة إلى درجة كبيرة على ورادات البترول
من بين الأسواق الناشئة والبلدان النامية، هناك قائمة من كبار الخاسرين والتي تشمل تركيا وتايلاند وباكستان وأوكرانيا والمغرب والأردن وشيلي
نسعي الي تقديم لمحة عامة عن الرابحين والخاسرين من الارتفاع في أسعار الطاقة سواء لدى أسواق الناشئة وبلدان نامية مختارة مع التركيز على الأرصدة الخارجية والمالية. وسوف نركز هنا على تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم والنمو.وسنبدأ باستعراض تطورات سوق النفط كما يلي
اهم مستجدات سوق النفط والغاز
ارتفع سعر النفط ليسجل 85 دولارا للبرميل في المتوسط في عام 2023 مقارنة بـ 77 دولارا للبرميل في عام 2021 ويتجاوز حاجز120 دولارا للبرميل في الربع الاول من عام 2022 مع بدأ الحرب الاوكرانية الروسية ، ويعود هذا الارتفاع بدرجة كبيرة الي الطلب العالمي المتزايد على النفط الذى شهد ارتفاعًا قياسيًا في شهر يوليو من العام الحالي بسبب زيادة الطلب على السفر جوا لقضاء العطلات الصيفية، وزيادة استخدام النفط في توليد الطاقة، والنشاط البتروكيماوي المتزايد في الصين. ويتوقع تقرير الطاقة الدولية أن يصل الطلب العالمي إلى 102.2 مليون برميل يوميًا في 2023 بزيادة 2.2 مليون برميل .
وقد انخفضت إمدادات النفط في يوليو الماضي من خلال مجموعة “أوبك+” والتى قامت بتخفيض الانتاج بمقدار 1.2 مليون برميل يوميًا لتصل إلى أدنى مستوى لها في قرابة عامين، نتيجة لتخفيض طوعي من السعودية، وتراجع إجمالي إنتاج المنظمة إلى 50.7 مليون برميل يوميًا، بتراجع يزيد عن 2 مل برميل يوميا منذ بداية العام. خلال نفس الفترة، من ناحية اخرى زاد منتجون خارج مجموعة اوبك + إنتاجهم بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا ليصل إلى 50.2 مليون برميل يوميًا، ولكن تُتوقع مكاسب غير معتادة للدول خارج منظومة “أوبك+” لبقية العام، حيث تقود الولايات المتحدة والبرازيل هذا التوسع، فقد ارتفعت صادرات هذه الدول بنسبة تقريبية 15% على أساس سنوي لتصل إلى أكثر من 9 مليون برميل يوميًا في يوليو
كما وصلت أسعار الغاز الطبيعي – خاصة في أوروبا – لأعلى مستوياتها على الأطلاق الأشهر الأخيرة وهذا يرجع إلى تصاعد غزو روسيا لأوكرانيا في ظل الاتجاه الصاعد الموجود بالفعل في أسعار الطاقة فضلا عن التدفقات المحدودة لخطوط الأنابيب من روسيا. ويتوقع أن تبقى أسعار النفط مرتفعة خلال الجزء المتبقي من هذا العام وفي 2023 في ظل الأوضاع التالية: (1) تسارع إحلال الغاز و(2) سوف تستمر منظمة الأوبك + في توجهها لعدم رفع انتاج النفط بصورة كبيرة و(3) عدم وجود اتفاق جديد حول برنامج إيران النووي وبالتالي الحفاظ على العقوبات المفروضة على تصدير النفط وهناك اسباب اخرى تم سردها في الفيديو التالي :
تحول فى القوة الشرائية للمنتجين
يؤدي ارتفاع أسعار النفط الي تحول في القوة الشرائية من مستهلكي النفط إلى منتجيه. من والواضح أن هناك رابحون وخاسرون بين البلدان والمناطق لاسيما في الأسواق الناشئة والبلدان النامية.
المستفيد الأكبر هو الدول المصدرة للطاقة الصافية والتي تحقق مكاسب كبيرة من معدلات التبادل التجاري. تشمل هذه الدول مصدري النفط بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وعمان والبحرين والجزائر والعراق وإيران وليبيا) وروسيا ونيجيريا وأنجولا وكازخستان والأكوادور وكولومبيا.
بالنسبة للدول المصدرة للنفط، وعلى افتراض استقرار حجم صادرات الهيدروكربونات، فإن هذه الزيادة في أسعار الطاقة كما يشير تقرير صادر عن معهد التمويل الدولي الى ان فوائض الحساب الجاري قد تتسع بمقدار 46.6 مليار دولار في روسيا و28.3 مليار دولار في المملكة العربية السعودية و11.6 مليار دولار في العراق و11 مليار دولار في الإمارات العربية المتحدة. كما يحصل كبار مصدري النفط على دفعة كبيرة لمعدلات التبادل التجاري الخاصة بهم وذلك من ارتفاع أسعار الهيدروكربونات مما يؤدي لفوائض أكبر في الحساب الجاري خاصة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وروسيا.
وقد يتحول العجز المالي الكبير في الحساب الجاري لدى العراق وعمان في 2020 لفوائض صغيرة في 2021 و2022.

عجز في الحساب الجاري للمستوردين .
وقد يتسع العجز في الحساب الجاري بين مستوردي صافي النفط ولكل زيادة قدرها 10 دولار أمريكي في أسعار النفط وذلك بحدود 25.4 مليار دولار في الهند و9.2 مليار دولار في تركيا و7.9 مليار دولار في تايلاند و4.1 مليار دولار في باكستان. تستند هذه الحسابات أيضا إلى الزيادة المتوقعة في حجم واردات النفط.
هذا وسوف تتحول الأرصدة المالية في كبار الدول المصدرة للنفط لفوائض كبيرة بدءا من عام 2021 و2022. ويبلغ صافي صادرات الهيدروكربونات وإيرادات الهيدروكربونات الحكومية أكثر من نصف إجمالي الصادرات والإيرادات الحكومية خاصة في كبرى الدول المصدرة للنفط. لذلك، سوف يتحول العجز المالي لسنة 2020 لفوائض كبرى في 2021 و2022 و2023 في معظم الدول المصدرة للنفط باستثناء في نيجيريا وكازخستان. وبينما ستستفيد نيجيريا من ارتفاع أسعار النفط، فإنها تستمر في مواجهة تراجع ناتج النفط الخام ومن ثم انخفاض حجم صادرات النفط. وفي ظل استمرار التقدم الكبير في التشديد المالي، فإن سعر التعادل المالي للنفط لمعظم منتجي النفط يتراجع خلال السنوات الأخيرة وتبين توقعاتنا أنه انخفض الآن لأقل من 70 دولار/للبريل بالنسبة للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان وأنجولا.
سعر يفوق سعر التعادل
وتبين تقديرات معهد الاقتصاد الدولي أن سعر التعادل المالي للنفط في 2022 والبالغ 44 دولار للبرميل سوف يكون الأقل بين الدول المصدرة للنفط مدعوما بالانتعاش المتوقع في صادرات الغاز الطبيعي والنفط من حيث الحجم.
كما أن سعر التعادل النفطي الخارجي – الذي يوازن الحساب الجاري – سوف يكون أكثر انخفاضا عند حوالي 40 دولار/للبرميل. وعند متوسط سعر برميل النفط البالغ 82 دولار للبرميل في 2022، يتوقع أن تحقق الأرصدة المالية فاضا يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي فى روسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والعراق وعمان وأنجولا. ويمكن للبرازيل – التي أصبحت مصدر صغير للنفط الخام والمنتجات البترولية – الاستفادة هامشيا من ارتفاع أسعار النفط.
ارتفاع أسعار الطاقة سوف يلحق سوف يشكل خطرا على اقتصاديات العديد من الأسواق الناشئة والجديدة التي تعتمد إلى درجة كبيرة على واردات النفط الخام والغاز الطبيعي. خسارة معدلات التبادل التجاري كبيرة بالنسبة للدول صاحبة الواردات الهيدروكربونية التي تزيد على 4% من الناتج المحلي الإجمالي بما في ذلك تايلاند وتركيا والأردن والمغرب ولبنان. ولقد بدأت الزيادة الحادة في أسعار الغاز الطبيعي والنفط في التأثير على الأرصدة الخارجية بما يزيد من مواطن ضعف هذه الدول. وقد يؤدي ازدياد العجز في الحساب الجاري في هذه الدول لصعوبة في الوفاء بالتمويل الخارجي.
الصين والهند المستهلك الاكبر
في حين أن الصين هي المستهلك الأكبر للنفط والغاز الطبيعي بما يعادل حوالي 14% من إجمالي الاستهلاك العالمي، سوف يكون التأثير محدودا بسبب حجم الاقتصاد وسوف يستمر الحساب الجاري في تحقيق فائضا كبيرا مدعوما إلى حد ما بأسعار المعادن الأكثر انخفاضا المتوقعة في 2022 واستمرار النمو القوي في الصادرات.
كما أن الواردات الإجمالية للهند من النفط الخام والغاز الطبيعي كبيرة نسبيا عند 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2021 ولكنها أيضا هي مصدر كبير للمنتجات البترولية (1.5% من الناتج المحلي الإجمالي). علاوة على ذلك، قامت الهند واندونيسيا بإجراء إصلاحات على دعم الوقود منذ عدة سنوات مضت للحد من ضعف أوضاعها المالية أمام ارتفاع أسعار النفط العالمية.
وسوف تكون تركيا في الغالب معرضة للمخاطر حيث إن ارتفاع أسعار النفط سوف تلقي بضغوطات على أزمة العملة من خلال رفع التضخم.
وفي مصر، التأثير قد يبدو اقل حدة من تركيا حيث إن مصر أصبحت حاليا مصدرا صغيرا لصافي النفط والغاز ، علي الرغم من الارتفاع المتوالي لاسعار المحروقات والغاز والكهرباء تخفيفا من حدة دعم الطاقة ، علاوة على ذلك، قد يفيد ارتفاع أسعار النفط الاقتصاد المصري بشكل غير مباشر حيث إن تحويلات العاملين في الدول النفطية والتدفقات المالية الأخرى من دول الخليج قد تزيد.
الحرب الاوكرانية الروسية
تصاعد حرب روسيا على أوكرانيا والاتجاه الصاعد الموجود بالفعل في أسعار الطاقة اسهما في موجه تضخمية عالمية لم تتكرر منذ اربعين عاما ، مما دفع الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى تخصيص أموال كبيرة لضمان توفر الطاقة. ساهمت هذه الإجراءات الحكومية في التخفيف من التأثير المباشر لزيادة التكاليف على أسعار الطاقة للمستهلكين، على الرغم من استمرار الضغوط المالية على الأسر مع ارتفاع اسعار الطاقة من غاز وبنزين وكهرباء .
https://www.imf.org/external/pubs/ft/wp/2009/wp0928.pdf
https://theses.hal.science/tel-04053530/document
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0140988315001255
https://www.imf.org/-/media/Files/Publications/REO/MCD-CCA/2023/April/Arabic/text.ashx
أضف تعليق