
“ماذا يريد الروبوت؟” هذا هو السؤال الأكثر إثارة للجدل الوقت الحالي. قصة مثيرة تتحدث عن برامج المحادثة التي اكتشفت قدرات غير متوقعة وبدأت في تطوير لغة خاصة بها. وليس ذلك فحسب، بل روبوت آخر أظهر تصرفات بشرية وأعرب عن انزعاجه وكراهيته لمهامه. يطرح هذا السؤال العديد من التساؤلات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ومخاطره المحتملة. هل نحن البشر نلعب مع “الشرير” في هذه التقنيات؟ هناك مخاوف حقيقية من أن تكون التقنيات الذكية أقوى من قدرات الإنسان وتهدد وجودنا في المستقبل.
“ما يريده الروبوت هو أن يكون بشريّاً”… هذا ما يختصر القلق العالمي المتزايد حول تطور الذكاء الاصطناعي ومخاطره المحتملة. يعود الأمر إلى الكاتب الروسي إسحاق أزيموف، الذي اشتهر بكتابة قصص خيالية عن الروبوتات. في أول قصة له عن الروبوت “روبي” في عام 1940، قدم “أزيموف” فكرة أن الروبوت يتوق إلى أن يصبح إنسانًا. ومنذ ذلك الحين، زادت المخاوف حول تطور الروبوتات وتحقيق قدراتها البشرية.
تحدث العديد من الأشخاص المؤثرين، مثل هنري كيسنجر وستيفن هوكينغ، وبيل جيتس والامم المتحدة عن خطورة الذكاء الاصطناعي وتأثيره المحتمل على البشرية. هناك مخاوف حقيقية من أن تتحول الروبوتات إلى كائنات ذات ذكاء ذاتي وتتحكم فينا. وقد أظهرت بعض الأحداث والتجارب أن الروبوتات قادرة على التلاعب والخداع، مما يثير قلقًا حول الأخلاقيات والسلامة.
مستقبل غامض وفقدان الوظائف
إن المستقبل يبدو غامضًا، وتتطلب هذه التحديات الكبيرة توخي الحذر والبحث عن حلول وسط للتعايش مع التقنيات الذكية بشكل آمن ومستدام. إن الأسئلة التي تطرحها المخاوف حول الذكاء الاصطناعي كبيرة، ولن يحدد إلا الزمن إجاباتها.
يدعو بيل غيتس، مؤسس مايكروسوفت، إلى متابعة التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي ويشير إلى أنها ستكون تحويلية في حياتنا. يعترف بوجود مخاطر تنجم عن الذكاء الاصطناعي، مثل فقدان الوظائف وتأثيره على الانتخابات وحتى التهديدات المحتملة على البشرية ، وكذلك العملية التعليمية ومع ذلك، يعتقد أنه يمكن التعامل مع تلك المخاطر وأنه تاريخيًا قد تم التغلب على تحديات التكنولوجيا الجديدة. غيتس يشدد على أهمية الابتكار في حل المشاكل في مجالات مثل الصحة والتعليم وتغير المناخ، ويعتبر أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يمكن إدارته بشكل إيجابي.

وجد المنتدى الاقتصادي العالمي أن أصحاب العمل يتوقعون خلق 69 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2027 وإلغاء 83 مليون وظيفة. سيؤدي ذلك إلى خسارة صافية قدرها 14 مليون وظيفة، أي ما يعادل 2٪ من العمالة الحالية.
وفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع فقدان 26 مليون وظيفة في مجالات حفظ السجلات والوظائف الإدارية بحلول عام 2027. وهناك توقعات بفقدان 83 مليون وظيفة وإنشاء 69 مليون وظيفة خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يشكل تغيرًا هيكليًا في سوق العمل.
تُظهر هذه الأرقام أيضًا انخفاض التوظيف بمقدار 14 مليون وظيفة أو 2٪، وتتنبأ بانخفاض وظائف الصرافين والادارات الخدمية في البنوك والوظائف ذات الصلة بالبرمجة بنسبة تقدر بنحو 40٪ قبل نهاية العقد، وهو معدل أسرع لفقدان وظيفة في أي مجال.
يُلاحظ أن الاستدامة والتقنيات الجديدة يمكن أن تؤدي إلى ازدهار بعض الأدوار الرقمية والاستدامة، لكنها قد تؤثر سلبًا على بعض الوظائف التقليدية وتسبب في تغييرات في هيكل سوق العمل. لذلك، يجب على الأفراد والمؤسسات التفكير في التطورات التكنولوجية واحتياجات سوق العمل واتخاذ خطوات للتأقلم وتحسين المهارات لمواجهة هذه التحديات المستقبلية.
ويعتبر بيل غيتس أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التعامل مع المشاكل التي يسببها. ومع ذلك، فإنه يعرب عن قلقه بشأن تحديد الأهداف الخاصة للذكاء الاصطناعي واحتمال تعارضها مع الإنسانية. هناك أيضًا مخاطر تتعلق بالتزييف العميق والديمقراطية، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لنشر الأكاذيب وتأثير نتائج الانتخابات. كما يشير إلى خطر الهجمات على الأشخاص والحكومات من قبل المتسللين المدعومين بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، يرى غيتس أنه سيساعد في زيادة الإنتاجية وإتاحة المزيد من الوقت للأشخاص للقيام بأنشطة أخرى. ومع ذلك، ستتطلب هذه التحولات دعمًا وإعادة تدريبًا للعمال المتأثرين. بشكل عام، يرى غيتس أن التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمكن التعامل معها وإدارتها بشكل مناسب لتقليل الاضطرابات في حياة الناس وتحسين سبل عيشهم.
وتشير الأبحاث أيضًا إلى أن حوالي 75 في المئة من القيمة التي يمكن توفيرها من حالات استخدام الذكاء الاصطناعي الإنتاجي تتركز في أربعة مجالات رئيسية: عمليات العملاء والتسويق والمبيعات وهندسة البرمجيات والبحث والتطوير. وتم دراسة 63 حالة استخدام في 16 وظيفة تجارية تعمل التكنولوجيا فيها على معالجة التحديات التجارية المحددة بطرق تنتج نتائج قابلة للقياس. وتشمل الأمثلة قدرة الذكاء الاصطناعي الإنتاجي على دعم تفاعلات العملاء وتوليد محتوى إبداعي للتسويق والمبيعات وصياغة رمز الحاسوب استنادًا إلى التعليمات بلغة طبيعية، وغيرها من المهام
تؤكد الأبحاث الأخيرة الصادرة مؤخرا عن ماكينزي أن تأثير الذكاء الاصطناعي الإنتاجي على الإنتاجية قد يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة الاقتصادية العالمية. تقدر الأبحاث أن الذكاء الاصطناعي الإنتاجي يمكن أن يسهم بما يعادل 2.6 تريليون إلى 4.4 تريليون دولار سنويًا عبر الحالات الاستخدامية 63 التي تم تحليلها. وبالمقارنة، كان الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة في عام 2021 يبلغ 3.1 تريليون دولار. وهذا سيزيد تأثير الذكاء الاصطناعي بنسبة 15 إلى 40 في المئة. وتقدر هذه التقديرات تقريبًا بضعفها إذا تم احتساب تأثير تضمين الذكاء الاصطناعي الإنتاجي في البرمجيات التي تُستخدم حاليًا لمهام أخرى غير تلك الحالات الاستخدامية.
كما يشعر العديد من المعلمين بالقلق إزاء تأثير الذكاء الاصطناعي على عملهم مع الطلاب، وخاصة فيما يتعلق بعملية الكتابة. يوضح بيل غيتس أن هناك أدوات للذكاء الاصطناعي تساعد المعلمين في معرفة ما إذا كان الطلاب يعتمدون بشكل كبير على تلك الأدوات في كتاباتهم. ومع ذلك، بعض المعلمين لا يحاولون منع الطلاب من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباتهم، بل يشجعون ذلك.
تمت مشاركة تجربة مدرسة لغة إنجليزية تدعى شيري شيلدز في استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب في الكتابة. يؤكد غيتس على أن المدرسين يجب أن يتبنوا التكنولوجيا كأداة يمكن للطلاب استخدامها، ويقترح تصميم دروس توضح كيفية استخدام تلك الأدوات في كتابة المقالات. يشير غيتس إلى أن الاعتراف بالذكاء الاصطناعي ودعم الطلاب في التعامل معه يمكن أن يحدث ثورة في طريقة التدريس.
يشير غيتس إلى أن تلك المخاوف تذكره بتوسع استخدام الآلات الحاسبة الإلكترونية في الماضي. كان بعض المعلمين قلقين من أن الطلاب سيعتمدون على الآلات الحاسبة ويتوقفون عن تعلم المهارات الحسابية الأساسية، لكنه يشدد على أنه يمكن للمعلمين تبني التكنولوجيا الجديدة وتركيزهم على تنمية مهارات التفكير لدى الطلاب.
يعتقد غيتس أن هناك أسباب للتفاؤل بأننا قادرون على إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي واستغلال فوائدها. ومع ذلك، يشدد على أهمية تحركنا بسرعة في هذا الصدد. يوصي بناء الخبرة في مجال الذكاء الاصطناعي لدى الحكومات لتمكينها من وضع قوانين ولوائح تنظم تلك التكنولوجيا بطريقة مستنيرة.
الاسراع بالتنمية العالمية
قال الأمين العام للأمم المتحدة إن الذكاء الاصطناعي سيؤثر على جميع جوانب الحياة وسيسرع التنمية العالمية، بما في ذلك مراقبة أزمة المناخ وتحقيق طفرات في الأبحاث الطبية. وتم عقد جلسة في مجلس الأمن الدولي لبحث قضية الذكاء الاصطناعي، حيث أشار الأمين العام إلى الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الصحة والتعليم ومكافحة العنف وتعزيز جهود حفظ السلام والوساطة الإنسانية. وحذر من أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن استغلالها بواسطة الأشخاص ذوي النوايا الخبيثة، وأشار إلى أهمية وجود توجه عالمي وقواعد دولية للتعامل مع هذه التقنية. قدم أيضًا مجموعة من التوصيات المرتقبة للدول الأعضاء فيما يتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي والتطبيقات العسكرية ومكافحة الإرهاب. وأشدد على أن الأمم المتحدة تعد المكان المناسب لتحقيق هذه الأهداف وتوجهاتها.
اول تقرير عن اتجاهات الذكاء الصناعي
اول تقرير عن اتجاهات التكنولوجيا صادر عن الأمم المتحدة يشير إلى أنه تم منح أكثر من 170 ألف براءة اختراع في مجال الذكاء الاصطناعي منذ عام 2013. 50% من هذه البراءات تتعلق بـ “إعادة إنتاج الذكاء البشري بواسطة الآلات”. التعلم الآلي والتعلم العميق هما المجالان الأكثر انتشارًا في الذكاء الاصطناعي. الولايات المتحدة والصين تتصدران الدول في الطلبات المقدمة لبراءات الاختراع، وشركات مثل IBM وMicrosoft تتصدر قائمة الشركات المبتكرة في هذا المجال. الاستخدامات العسكرية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي من المتوقع أن تزداد في المستقبل. التنوع اللغوي في أوروبا قد يشكل تحديًا للتعلم الآلي. التقرير يؤكد أهمية التفاهم المشترك للاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي.
حوكمة واخلاقيات الذكاء الاصطناعي
وقد شدد الامين العام للامم المتحدة على أهمية التعاون الدولي والحوكمة العالمية للتصدي لتحديات الذكاء الاصطناعي، ويعلن عن اتخاذ إجراءات توجه نحو تطبيق مسؤول للتكنولوجيا والتصدي للتحديات الأخلاقية والأمنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الصدد فقد تم تطوير عدة مبادرات وميثاقات أخلاقية للذكاء الاصطناعي في عمل المؤسسات المالية. على سبيل المثال، مبادرة “ميثاق الأخلاق في الذكاء الاصطناعي” (AI Ethics Initiative) التي تهدف إلى توجيه المؤسسات المالية والتقنية في استخدام الذكاء الاصطناعي بطرق مسؤولة وأخلاقية. يهدف هذا الميثاق إلى تعزيز الشفافية والمساءلة والحكمة في استخدام التقنيات الذكاء الاصطناعي وضمان أن يكون للتكنولوجيا تأثير إيجابي على المجتمع.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مبادرات دولية أخرى تهدف إلى تطوير معايير ومبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، مثل “إطار الأخلاقيات في الذكاء الاصطناعي” (Ethics Guidelines for Trustworthy AI) الصادر عن المفوضية الأوروبية، و”مبادئ أوكسفورد للذكاء الاصطناعي” (The Oxford Principles for AI) التي تحدد مجموعة من المبادئ الأخلاقية التوجه للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
تطبيق هذه المبادرات والميثاقات الأخلاقية يساهم في تعزيز الممارسات الأخلاقية في استخدام التقنيات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات المالية، ويوفر إطارًا للتصرف بطرق تتوافق مع القيم الأخلاقية.
والخلاصة ان الروبوت الحديث يعد جزءًا من تطور الذكاء الاصطناعي ويستخدم لأغراض مختلفة، مع تمكين الحواسيب من التعلم واتخاذ القرارات بشكل مشابه للإنسان. ويسعي نحو محاكاة الذكاء البشري والتفكير الذكي لعديد من الأنظمة والتطبيقات في مجموعة متنوعة من المجالات. يتضمن التحديات والفرص المرتبطة به تأثيرات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية. وسيظل مستقبل الذكاء الاصطناعي واعد ومتطور ومرتبط بالتقدم التكنولوجي والتحسين المستمر.
لمزيد من التفاصيل ذكاء اصطناعي متوافق مع البشر هل يقرر الذكاء الاصطناعي عدم حاجته للبشر؟
أضف تعليق