
د. محمد حميل الشبشيري
فورية استجابة معظم البنوك الخليجية لقرار الاحتياطى الفيدرالى الأمريكي برفع سعر الفائدة في اتجاه معاكس للسياسة النقدية التوسعية والتحرك من معدل الفائدة الصفرية على الدولار الأمريكى والتى استمرت لمدة عشر سنوات السياسة النقدية الي التشددية حرصاً منه على إعادة التضخم السنوي إلى هدفه البالغ 2%، تعكس مدى قوة ارتباط السياسة النقدية الخليجية بتحركات سعر الفائدة الأمريكية، في ظل ربط دول مجلس التعاون الخليجي عملاتها بالدولار وفقا لنظام سعر الصرف الثابت، تمهيداً للتحول إلى العملة الخليجية المشتركة في ظل التكامل الاقتصادي، وعقب انا اتفاقية المثبت المشترك فى مسقط عام 2002.
رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية يوم الأربعاء الماضي لتبلغ بذلك أعلى مستوياتها في 16 عاما .
وحدد البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي لليلة واحدة عند نطاق 5.25 بالمئة إلى 5.5 بالمئة. وترك البيان المصاحب للإعلان الباب مفتوحا لزيادة أخرى.
من المفيد أن نفكر فيما كان سيحدث لو أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت تعتمد على نظام سعر الصرف العائم. ففي هكذا سيناريو، كان تراجع أسعار النفط سيؤدي إلى انخفاض في قيمة العملات المحلية. وهذا ما حدث في بعض كبرى الدول المصدرة للنفط كروسيا والبرازيل التي تراجعت قيمة عملتيهما بواقع 64% و52% على التوالي مقابل الدولار الأمريكي منذ عام 2013. وحتى الان بعض الدول الأخرى المصدرة للنفط ولكن تعتمد بشكل أقل على الصادرات النفطية مثل كندا والنرويج شهدت تراجعاً كبيراً في قيمة عملاتها (22% و41% على التوالي خلال نفس الفترة).

وقد استمرت كافة دول المجلس على هذا النحو حتى اتخذت الكويت قرارها في20/5/2007 بفك ارتباط الدينار بالدولار والعودة مرة أخري إلى نظام سلة العملات في تحديد معدل الصرف، وعلى إثر ذلك فقد تم تخفيض معدل صرف الدولار إلى حوالى 0.289 دينار كويتي في ذاك العام، وهو ما يمثل ارتفاعاً للدينار بحوالي 0.37 %، ويمكن إرجاع تلك الخطوة إلى رغبة الكويت في الحفاظ على عملة قوية، ورغبتها في الحصول على نظام أكثر مرونة لصرف الدينار، واستمرار معدل التضخم آنذاك مرتفعاً فوق المعدل المرغوب وهو 2%، والحيلولة دون ضغوط المضاربة على الدينار الكويتي، ومع هذا مازال الدولار يستحوذ على النصيب الأكبر من سلة العملات غير المعلن عنها بالكويت.
ولا ينبغى المبالغة في أثر رفع الفوائد بنسبة تتراوح بين ربع إلى نصف فى المائة، حيث أن الأثر المباشر يتمثل في ارتفاع الدولار الأمريكي بصورة أكبر على الرغم من أنه يواصل الارتفاع منذ يونيو 2014، فقد ارتفع سعر الدولار بما يزيد على 15% مقابل العملات الرئيسية بالقيمة المرجحة بأوزان
وبالتالى فإن التأثير سيكون كبيراً في شكل مزيد من الارتباك وانخفاض للعملات، وانخفاض في أسعار الصرف بالأسواق الناشئة، فضلاً عن انخفاض أسعار السندات فيها، واستمرار انخفاض نموها أيضاً.
يظل ربط سعر الصرف بسلة عملات غير مُعْلَنَة نظاما يشكل ركيزة اسمية ملائمة للسياسة النقدية. فقد حافظ على انخفاض معدل التضخم واستقراره لسنوات طويلة، بينما منح البنك المركزي الكويتي بعض الاستقلالية فيما يخص سياسته النقدية. ويكتسب الحفاظ على استقلالية البنك المركزي أهمية بالغة لتحقيق أهداف السياسة النقدية. ويُحَبَّذ ضبط أوضاع المالية العامة لدعم العدالة بين الأجيال والإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تنويع النشاط الاقتصادي من أجل تعزيز المركز الخارجي ودعم نظام ربط العملة.
وفي ظل ارتفاع قيمة الدولار تظل العملة الأمريكية مصدر جذب للمستثمرين حفاظاً على ثراواتهم من ناحية واستجابة للطلب على السيولة من الولايات المتحدة الأمريكية لتمويل عجزها المالي بمعدلات أعلى من السابق.
ومن ناحية أخرى وعلى الرغم من تأثر بعض العملات الخليجية بالارتفاع الكبير في قيمة العملة الأمريكية، ووفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي، فقد استنفذت المملكة العربية السعودية حوالي 70 مليار دولار خلال عام 2015 لتمويل الإنفاق العام ودفاعاً عن سعر صرف الريال السعودي إذ وصلت احتياطياتها إلى حوالي 662 مليار دولار في نهاية العام 2015، كما انخفض سعر صرف الدينار الكويتي بنسبة 7.4% خلال الفترة منذ منتصف عام 2013 وحتى الآن، واستقرت بقية العملات أمام الدولار بحيث تذبذبت بين الارتفاع والانخفاض بنسبة لاتزيد عن 1%، ولا يمكن القول أن الدول الخليجية سوف تتوقف عن الربط مع الدولار، حيث إن صادراتها النفطية مقومة بالدولار الأمريكي، ومن ثم فإن ارتفاع الدولار يمكن أن يعوض جزء ولو يسيراً من الانخفاض في أسعار النفط الذي بات يقترب من 70% من قيمته منذ منتصف عام 2014.

كما أن ارتفاع قيمة الدولار الأمريكى من شأنه أن يحقق الحماية للفوائض المالية للدول الخليجية من التآكل عند تحويلها إلى العملات المحلية، علاوة على استفادتها من فوارق أسعار العملات الأخرى كاليورو مقابل الدولار عند تحويل الإيردات المالية النفطية إلى العملات المحلية، وانخفاض قيمة وارداتها ولاسيما الغذائية منها من المجموعة الأوربية أيضاً، ونظراً لكون الجانب الأكبر من الاستثمارات الخارجية للدول الخليجية والذي يتم عبر صناديقها السيادية مقوم أيضاً بالدولار الأميركي، وكذلك الجانب الأكبر من احتياطيات تلك الدول بالنقد الأجنبي يتمثل في الدولار الأميركي فإن الاحتفاظ بربط العملات الخليجية بتلك العملة يسمح بالمحافظة على القيمة الحقيقية لتلك الاستثمارات والاحتياطيات، لكن يحدث العكس في حالة انخفاض سعر الدولار.
وعلى الرغم من بعد الارتباط الداخلي للاقتصاديات الخليجية بالاقتصاد الأمريكي، واختلاف البيئة الاقتصادية المحلية للدوول الخليجية عنها في الاقتصاد الأمريكي، إلا أن رفع سعر الخصم في الكويت بنسبة ربع في المائة و25 نقطة أساس لاتفاقيات إعادة الشراء في المملكة العربية السعودية ورفع سعر الفائدة الأساس على الودائع لليلة واحدة من 0.25 ، وفى البحرين، إلا ان معدلات الفوائد في الدول الخليجية باتت مرتفغة وهي أعلى من معدلات التضخم في معظم الدول الخليجية. حيث يتوقـع انخفـاض التضخـم من %3,3 في 2022، الي %2,9 قي 2023 و2,3%في عام2024.
ومن المتوقع أن تؤدى هذه الخطوة إلى تعزيز تنافسية العملات الخليجية امام الدولار، ورفع معدلات العوائد للمدخرين والتخفيف من حدة ظاهرة الدولرة السائدة في دول الخليج في ظل ارتفاع وجاذبية الدولار الأمريكي، من شأن ذلك بالتأكيدأن يساعد على زيادة مرونة سعر الصرف، مما يسمح لسعر الصرف أن يعمل كأداة المتصاص الصدمات من أجل عزل الاقتصاديات بشكل أفضل عن الصدمات وتحسين كفاءة السياسة النقدية.أما التأثير على جانب الائتمان وارتفاع تكلفة المستثمرين، فمن المعروف غلبة القروض الاستهلاكية والقروض العقارية على هياكل الائتمان في دول الخليج حيث أن رفع الفائدة قد يؤدى إلى تخفيف حدة النمو في القروض الاستهلاية، حيث إن السيولة المرتفعة الناجمة عن انخفاض أسعار الفائدة على الودائع أدت إلى زيادة الطلب الاستهلاكي على مختلف السلع والخدمات وفي ظل محدودية العرض فى الأجل القصير يرتفع المستوى العام للأسعار.
ويتوقع أن تتأثر أسعار العقارات برفع أسعار الفائدة، في ظل اقتراب العوائد من الودائع بعوائد العقار والتي تتراوح بين 6% إلى 7%، وارتفاع تكلفة التمويل العقاري وإن كان سينعكس إيجاباً على البنوك المحلية من خلال زيادة الهامش المتاح لديها، وتوسيع قدرتها على التفاوض مع عملائها، فضلاً عن رفع قيمة التمويل الحكومي المتوقع مع إصدار صكوك وسندات لتمويل العجز في الموازانة العامة للدولة.
كما أنه من المتوقع فإن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية يمكن أن يؤدي إلى رفع تكاليف الاقتراض الخارجي وخاصة بالنسبة للبنوك والشركات في دول الخليج التي تسعى لتنفيذ المشروعات الاستثمارية الكبرى ولاسيما التي خارج حدودها، وتبقى نظرة المستثمرين التفاؤلية والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، والتطورات في أسعار النفط الأكثر تأثيراً من التغيرات في سعر الفائدة تلك، حيث تؤكد الدراسات الواقعية لسلوك رجال الأعمال بأن مستوى سعر الفائدة ليس عاملاً هاماً في اتخاذ القررات الخاصة بنشاطهم الاستثماري، إذ أنه في أوقات الركود بصفة خاصة وعندما تصبح الطاقة الإنتاجية فائضة فمن المحتمل أن يكون الاستثمار قليل المرونة لسعر الفائدة بمعنى أن الاستثمار لا يستجيب بسهولة لانخفاض هذا السعر.
وعلى ذلك فإن الإنفاق الحكومي هو مفتاح المرحلة القادمة، على الرغم من العجز المالي المحتمل تأثراً بانخفاض أسعار النفط وانخفاض الإيرادات الحكومية في دول الخليج، إذ تحتاح الحكومات إلى ضخ استثمارات استثنائية في مجال تطوير البنية التحتية، وضخ استثمارات جديدة تدفع النشاط الاقتصادي للنمو من قبل القطاعين العام والخاص، وذلك لتنفيذ مشروعات التنمية في مجال الطرق والصرف الصحي والخدمات المساندة لنمو القطاع الخاص، من أجل الخروج من دائرة الركود بفعل انخفاض أسعار النفط الذي تشير التقديرات إلى استمراره على هذا النحو لمدة قد تزيد عن عامين على الأقل.
وختاما تبقى تنافسية العملات الخليجية جزءًا أساسيًا من استقرار الاقتصادات المحلية، وتحركات دول الخليج تهدف إلى المحافظة على التوازن المالي والاقتصادي لتحقيق النمو المستدام وتوفير فرص الاستثمار والتنمية في المنطقة. قرار رفع أسعار الفائدة يتطلب توازنًا بين الاستقرار والنمو الاقتصادي، ومراعاة الأوضاع المحلية لكل دولة على حدة للتعامل مع أي تأثيرات سلبية محتملة على الاقتصاد المحلي.
للمزيد كيف تتعامل البنوك المركزية مع رفع الدولار
أضف تعليق